الشوكاني

299

نيل الأوطار

الواجبات واللازم باطل فالملزوم مثله . وإن كانت صيغة الامر الواردة بوجوب زيادة على هذا الحديث غير معلومة التقدم عليه ولا التأخر ولا المقارنة ، فهذا محل الاشكال ومقام الاحتمال ، والأصل عدم الوجوب والبراءة منه حتى يقوم دليل يوجب الانتقال عن الأصل والبراءة ، ولا شك أن الدليل المفيد للزيادة على حديث المسئ إذا التبس تاريخه محتمل لتقدمه عليه وتأخره ، فلا ينتهض للاستدلال به على الوجوب ، وهذا التفصيل لا بد منه ، وترك مراعاته خارج عن الاعتدال إلى حد الافراط أو التفريط ، لأن قصر الواجبات على حديث المسئ فقط ، وإهدار الأدلة الواردة بعده تخيلا لصلاحيته لصرف كل دليل يرد بعده دال على الوجوب ، سد لباب التشريع ، ورد لما تجدد من واجبات الصلاة ، ومنع للشارع من إيجاب شئ منها وهو باطل لما عرفت من تجدد الواجبات في الأوقات . والقول بوجوب كل ما ورد الامر به من غير تفصيل ، يؤدي إلى إيجاب كل أقوال الصلاة وأفعالها التي ثبتت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من غير فرق بين أن يكون ثبوتها قبل حديث المسئ أو بعده ، لأنها بيان للامر القرآني أعني قوله تعالى : * ( أقيموا الصلاة ) * ( الأحزاب : 56 ) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي وهو باطل لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وهو لا يجوز عليه صلى الله عليه وآله وسلم . وهكذا الكلام في كل دليل يقضي بوجوب أمر خارج عن حديث المسئ ، ليس بصيغة الامر كالتوعد على الترك أو الذم لمن لم يفعل . وهكذا يفصل في كل دليل يقتضي عدم وجوب شئ مما اشتمل عليه حديث المسئ أو تحريمه إن فرضنا وجوده . ( وقد استدل ) بالحديث على عدم وجوب الإقامة ، ودعاء الافتتاح ، ورفع اليدين في الاحرام وغيره ، ووضع اليمنى على اليسرى ، وتكبيرات الانتقال ، وتسبيحات الركوع والسجود ، وهيئات الجلوس ، ووضع اليد على الفخذ ، والقعود ونحو ذلك . قال الحافظ : وهو في معرض المنع لثبوت بعض ما ذكر في بعض الطرق اه . وقد قدمنا البعض من ذلك . وللحديث فوائد كثيرة ، قال أبو بكر بن العربي : فيه أربعون مسألة ثم سردها . وعن حذيفة أنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده ، فلما قضى صلاته دعاه فقال له حذيفة : ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد والبخاري . قوله : رأى حذيفة رجلا روى عبد الرزاق وابن خزيمة وابن حبان من طريق